السبت، 5 يوليو، 2014

باحثون يشخّصون أعطاب واختلالات المنظومــة التربويـــة المغربيـــة



السبت 05 يوليوز 2014

"تُعلّمنا دروس التاريخ وتجارب الأمم والشعوب (...)، أنّ المجتمعات التي ربحتْ حاليا رهان مجابهة التبعية والتخلف، وحققت أشواطا متقدمة في مسيرات التنمية والتحديث والبناء الديمقراطي السليم، هي التي جعلت من مشروعها التربوي – التكويني، نواةً مركزية لمشروعها السوسيوحضاري العامّ ولنهضتها العلمية والتقنية والقيمية الشاملة".

بهذه الفقرة ارتأت "جمعية جسور الحوار"، استهلال أرضية ندوة نظمتها مساء أمس الجمعة، بالرباط، تحت عنوان "رهانات إصلاح المنظومة التربوية: واقع وآفاق".

الخصاصي: إصلاح المنظومة التربوية إشكالية آنية

محمد الخصاصي، المتحدث باسم اللجنة المشرفة على المبادرة الوطنية من أجل إصلاح التعليم، قال في مداخلته خلال الندوة إنّ إصلاح المنظومة التربوية "إشكالية تتسم بالآنية"، وأضاف أنّ كلّ مشروع مجتمعي، يقتضي وجود نظام تربوي يتّسم بالجوْدة والفعالية، "لكنّ الواقع المعيش يبيّن مدى فداحة الاختلالات التي تطبع النظام التربوي المغربي".

الإصلاح العميق للمنظومة التربوية الوطنية، حسب الخصاصي، ينبغي أن يتأسّسَ على ثلاثة محاور، حدّدها في استبطان مكامن التعثرات في مسارات الإصلاح التربوي، واستحضار الأولويات الأساسية التي ينبغي التركيز عليها في كلّ مقاربة إصلاحية، وتحديد الأوراش الكبرى التي يجب أن تحظى بالأولوية في عملية الإصلاح.

واسترسل الأستاذ الجامعي المهتمّ بقضايا التربية والتعليم، أنّ المسيرة التي قطعها المغرب منذ فجر الاستقلال، والمبادرات التي اتّخذها، انطلاقا من مناظرة المعمورة عام 1964، إلى غاية تأسيس المجلس الأعلى للتعليم، لم تُوصِل النظام التربوي المغربي إلى صيغة فعّالة ومقبولة ومتلائمة مع المشروع المجتمعي الذي انخرط فيه المغرب.

وفي مقابل المحاور الثلاثة التي قال إنّ عملية الإصلاح يجب أن تتأسّس عليها، أرجع الخصاصي الحصيلة الهزيلة للإصلاحات إلى ثلاثة أسباب رئيسية، حدّدها في تذبذب الرؤية وضبابية المنظور الاستراتيجي المؤطّر للإصلاح التربوي، وافتقاده لرؤية استراتيجية شاملة وواضحة، واتّسام الإصلاحات بالظرفية، دون التوفّر على نظرة لمستقبل واعد.

أمّا السبب الرئيسي الثالث، من الأسباب التي قال الخصاصي إنها أدّت إلى عدم بلوغ الأهداف المنشودة من الإصلاح، فيعود إلى غياب الحكامة الجيّدة في المنظومة التربوية، وتحكّم المركز في تسييرها، وقال بهذا الخصوص "منظومة بهذا الحجم، تحتضن سبعة ملايين ونصف من الممدرسين، وتشغل 300 ألف من الأساتذة والموظفين، وتلتهم ربع ميزانية الدولة، لا يمكنها أن تسير بطريقة تقليدية".

وبعد أن ذكّر بعدد من الاختلالات التي تعاني منها المنظومة التربوية الوطنية، وعلى رأسها الاختلال المجالي، ما بين العالم القروي والحضري، وهو ما يؤدّي إلى الهدر المدرسي، حيثُ لا يتعدّى عدد التلاميذ الذين يبلغون مستوى الباكلوريا 13 في المائة، دعا الخصاصي إلى إيلاء المدرسة العمومية الأولوية في عملية الإصلاح، من أجل ضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين أبناء المغاربة.

وأوضح في هذا الصدد أنّ المدرسة العمومية المغربية تعاني من نقْصٍ مستمرّ في جودة التعلّمات، استنادا إلى المعايير الدولية؛ فتسعون في المائة من التلاميذ المغاربة، يضيف المتحدث، يندرجون ضمن خانة المستوى الضعيف أو القريب من الضعيف؛ وفي نهاية السلك الابتدائي أو الاعدادي يكون مستوى التلميذ ضعيفا، "وهذا يشكّل خطرا بالنسبة للمستقبل"، يقول الخصاصي.

الحلو: الحكامة أساسُ كلّ إصلاح

عبد الرحمان الحلو، أستاذ باحث في العلوم السياسية، قال إنّه يجب أنْ تكون هناك نظرة مقاصدية للإصلاح، ترُوم، في المقام الأوّل، توفير ظروف ملائمة لإنشاء ناشئة تملك معارف علمية، ومهارات، وذات أخلاق وقِيَم، منتقدا حصْر الاهتمام بالمرحلة التي يلتحق فيها التلاميذ بالمدرسة، دون الاهتمام بتقييم مآلهم بعد التخرّج.

وأضاف الحلو، أنّ بلوغ هدف خلق ناشئة ذات زاد معرفي ومهاراتي وذات أخلاق وقيم، يقتضي الانتقال من التعليم إلى التربية، بحيث تكون التربية هي الأساس ويكون التعليم مكمّلا لها، ومن التدريسِ إلى التعليم، بما يؤدّي إلى الفهم والاستيعاب الجيد، ومن التلقين إلى المصاحبة، من خلال تنشيط الوضعية التعلّمية بما يُفضي إلى جعل التلميذ يتعلّم بطريقته الخاصّة، بمصاحبة المُعلّم.

وشدّد الحلو على مسألة الحكامة، ودورها المركزي في عملية إصلاح المنظومة التربوية، وقال إنّ الفاعلين الأساسيين الذي يفترض فيهم المساهمة في عملية الإصلاح، لا يعملون "فالمجلس الأعلى للتعليم لا يعمل، والمجتمع المدني لا يساهم، ووحدهما وزارتا التربية والتكوين ووزارة التعليم العالي تعملان، لذلك لن تتحقّق أيّ نتائج في ظلّ غياب فعّالية الفاعلين الآخرين، وباقي القطاعات الوزارية".

واقترح الحلو، اعتماد "التدبير المفوّض للتعليم"، على غرار ما هو معمول في به في تدبير خدمات عمومية أخرى، حتّى تصير المؤسسات التعليمية مدبّرة بشكل جيد، مع منْح الأسر ذات الدخل المحدود دعما ماليا من أجل تدريس أبنائها، على غير ما هو معمول به في عدد من الدول، ومنها الشيلي والأردن، وأضاف الحلو "يجب أن يكون التعليم مؤدّى عنه، لأنّ الخدمة المودّى عنها تكون معتبرة، يتمّ تدبيرها بشكل عقلاني".
هسبريس - محمد الراجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون