الأحد، 26 فبراير، 2012

بيداغوجيا الإدماج والاستهانة بالالتزامات الدولية للمملكة المغربية



بودريس درهمان


في بداية هذا المقال استغرب كثيرا من موقف الأستاذ الجامعي السيد محمد الدريج الذي لم يفهم بيداغوجيا الإدماج و رغم ذلك يقوم برفضها، و ما يدفعني أكثر إلى هذا الاستغراب هو توقيت إدلائه بهذا الرأي. رأيه هذا لم يدلي به إلا بعد أن قرر وزير التربية الوطنية سحب النظام التقويمي لهذه البيداغوجيا، الذي هو بالمناسبة أفضل مكون بيداغوجي من حيث القيمة العلمية وهو الأفضل من كل باقي المكونات الأخرى لبيداغوجيا الإدماج، كما هو الأمر بمكون "الكفاية الأساس" التي صرح بصددها كزافيي روجرس بأكاديمية جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء، بان الخبراء الوطنيون المغاربة المركزيون لم يفلحوا في إيجاد الصياغة الملائمة لهذه الكفاية الأساس. اعتقد جليا، انه في الظرف الراهن بدأت تختلط البيداغوجيا بالسياسة و يجب أن نحتاط كثيرا حتى لا نخسر الرهان. لقد كثر المموهون و كثر سماسرة الميزانيات الضخمة و في بعض الأحيان بعض التصريحات و بعض المواقف البريئة قد تخدم مصالح هؤلاء السماسرة، لهذا السبب وجب التنبيه ووجب التوضيح حتى لا يتم إقحام مقالاتنا السابقة في هذا الإطار.


بيداغوجيا الإدماج هي مكون من مكونات البرنامج الإستعجالي للتربية و التكوين، و هذا البرنامج هو برنامج حكومي و في نفس الوقت دفتر تحملات للحصول على خمسة قروض دولية بلغت كما وضحنا ذلك بالتفصيل في مقالنا المعنون "التغيير التربوي بشمال افريقيا"941 مليون أورو، و في الوقت الذي لم تعرف فيه معظم مشاريع هذا البرنامج الإستعجالي طريقها إلى التنفيذ و الانجاز يتم التبرؤ فقط من المذكرة 204، فأين هي أموال البرنامج الإستعجالي بما فيها الميزانية المخصصة لبيداغوجيا الإدماج؟


قد تستطيع الحكومة بالياتها و أجهزتها و قطاعاتها المتحكم فيها، الاستهانة بميزانيات البرامج التربوية و المشاريع الاستثمارية و قد تستطيع التحكم في عواقبها على المستوى الداخلي و لكن على المستوى الخارجي في علاقتها مع المؤسسات المانحة و مع المؤسسات الدولية المنضوية تحت ميثاق الأمم المتحدة كيف ستستطيع الحكومة تبرير عدم صرف أموال القروض الدولية في انجاز البرنامج الاستعجالي الذي تعهدت بانجازه؟


الباب الثاني عشر من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المتضمن لثمانية عشرة فصل، من الفصل 154 إلى الفصل171، من المفروض على هذا الباب الذي هو بمثابة دستور الحكامة الجيدة، أن يصبح صمام أمان للقروض الدولية و لكل القروض والاستثمارات لكي تستطيع أموال هذه القروض و هذه الاستثمارات تحقيق الأهداف و الغايات المحددة لها سلفا، لكن أن يقوم أحد وزراء الحكومة الحالية بتبني فكرة التملص من بعض بنود دفتر تحملات هذه القروض فهذا شيء خطير و لا يبشر بالخير في علاقة المملكة المغربية مع هذه المؤسسات المالية الدولية المانحة و المحددة حتى لمصائر الدول.


الاستهانة بالالتزامات الدولية اتجاه المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض شيء أصبح يقلق كثيرا في الآونة الأخيرة، لان هذه الاستهانة سيترتب عنها في المدى القريب انعكاسات سلبية ستتحدد على الأقل في عملية فقدان الثقة في أهمية و دور هذه المؤسسات.


فكما يعلم الجميع، سواء بقوة القانون الوطني أو بقوة القانون الدولي ليس من حق أي حكومة، كيف ما كان توجهها و طبيعة سياستها العمومية، أن تتملص من العقود الدولية الموقعة و المصادق عليها، كما ليس من حقها كذلك التملص من البنود المشكلة لدفتر تحملات هذه القروض، كما ليس من حقها تحويل هذه القروض و التحايل عليها بدون ضوابط مطابقة لبنود هذه العقود.


و كما يعلم الجميع كذلك، غياب آليات الحكامة الجيدة أو عدم تفعيلها، و غياب آليات التقويم، أو عدم تفعيلها، لا يمكن لهذا الغياب و لهذه الوضعية من عدم التفعيل، أن يكونا هما السببان الرئيسيان لعدم الالتزام بتطبيق بعض بنود دفتر التحملات الذي على إثره تم الحصول على القروض الدولية، لأن سلوكا من هذا النوع من الممكن أن يكون فقط عبارة على مناورة سياسية مكشوفة من اجل التستر على عملية إهدار هذه القروض.


في التقرير التقرير التقويمي لحزب العدالة و التنمية الحاكم نفسه الذي كشف عنه يوم 13 شتنبر 2010 أيام كان في المعارضة و الذي تناول فيه كيفية تقييم وزارة التربية الوطنية لمنجزاتها التي تخص تنفيذ دفتر التحملات الذي هو "البرنامج الإستعجالي"، في هذا التقرير، الذي يخص فقط الستة اشهر الأولى من انجاز البرنامج الإستعجالي، انتقد حزب العدالة و التنمية هذا الانجاز موضحا بأن: "من أصل 721 مؤشرا يتضمنها المخطط الإستعجالي، أغفلت قيادات وزارة التربية الوطنية 523 مؤشرا، وارتكزت فقط على 198 مؤشر قصد التقييم، أي الاستناد على حوالي 27 بالمائة فقط من المؤشرات لحصر تقدم البرنامج. والنتيجة هي الحصول على النتيجة المرجوة، أي تقدم ونجاح المخطط ألاستعجالي في الستة أشهر الأولى ."


يضيف التقرير: "تكشف مصادر من وزارة التربية الوطنية على أن قيادات الوزارة عمدت إلى عدد من التقنيات الحسابية والعملية قصد الحصول على نتيجة التفوق المرجوة. و حصر هذا التقرير هذه التقنيات على الأقل في ثلاث تقنيات و هي كالتالي:


التقنية الأولى هي:


1. "التركيز في مسار التقييم على المؤشرات المهمة حيث استند هذا التقييم فقط على 198 مؤشرا من أصل 721 مؤشر كلي"،


2. عدم توضيح " المعايير العلمية التي تم الاستناد عليها لإحداث الفرز بين المؤشرات المهمة و المؤشرات الغير المهمة"


خلاصة التقرير لانتقاد هذا التقنية الأولى وهي، مادامت هذه المؤشرات غير مهمة فلماذا تم اعتمادها؟


التقنية الثانية تتحدد في:


1. الحديث عن حصيلة ستة أشهر الأولى من سنة 2010 بدل تقديم حصيلة سنة كاملة من الإنجاز بالرغم أن جميع الإمكانيات التقنية واللوجستيكية متوفرة لتقديم الحصيلة النهائية لسنة كاملة


أما التقنية الثالثة فتتجلى في:


"اعتماد وزارة التربية الوطنية على أرقام المديريات التابعة لها والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والنيابات التعلمية. مع العلم أن الظروف والإمكانات والسياسة التي تشتغل في ضوئها هاته المؤسسات لا تسمح بتزويد الأجهزة المركزية بتقارير ونسب دقيقة وموضوعية للإنجازات".


اليوم بعد أن أصبح حزب العدالة و التنمية في الحكومة لم تعد تهمه كل هذه المؤشرات و كل هذه التقنيات و هذه التمويهات، و كل ما يزمع القيام به هو فقط تجميد العمل بمذكرة 204 التي هي النظام التقويمي البيداغوجي لانجازات التلاميذ و فق طريقة بيداغوجيا الإدماج، فهل من الممكن سحب النظام التقويمي لبيداغوجيا الإدماج و الإبقاء على بيداغوجيا الإدماج؟.


حكومة المملكة المغربية السابقة التي كان يتزعمها حزب الاستقلال تعهدت لخمسة ممونين دوليين بالالتزام بتنفيذ الثلاثة و عشرون مشروعا التي تخص البرنامج الإستعجالي و ضمن بنود هذا البرنامج الإستعجالي بيداغوجيا الإدماج. هؤلاء الممونون الدوليون هم على التوالي:


1. البنك الأوروبي للاستثمار: 200 مليون أورو
2. البنك الدولي: 80 مليون أورو
3. اللجنة الأوروبية: 93 مليون أورو
4. البنك الإفريقي للتنمية: 518 مليون أورو
5. الوكالة الفرنسية للتنمية: 50 مليون أورو


كيف يمكن للحكومة الحالية عدم الوفاء بهذه الالتزامات؟ أليس هذا ضحك على الذقون أم تريد فقط الوفاء بالالتزامات المالية الدولية للمونين الدوليين و التملص من المنتوج الذي هو بيداغوجيا الإدماج و الذي من اجله حصلت على هذه الميزانيات و هذه القروض؟ اللعب كبير و التريث ضروري لتفادي الأفظع.


كيف ما كان الحال المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض ستسترجع جميع ديونها المستحقة في الآجال المحددة ووفق الشروط المحددة أراد من أراد و كره من كره، لأنه ليس هنالك مؤسسة مالية دولية واحدة في الدنيا لم تحصل يوما على مستحقاتها. الطريقة الهاوية و الغير محسوبة العواقب التي نهجتها الحكومة المغربية ستحول المناورة السياسية الضيقة من أجل التستر على عملية تبذير قروض البرنامج الإستعجالي إلى ورطة دولية مفضوحة تعيد المملكة المغربية إلى سنواتها الخوالي...


OURIBLI@HOTMAIL.COM
عن هيسبريس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون