الأربعاء، 9 ديسمبر، 2015

كيف وصل صندوق التقاعد إلى الإفلاس؟




المؤسسة ضحية تهرب الدولة من أداء التزاماتها والحلول تسير في اتجاه رفع سن الإحالة على المعاش

نظمت المركزيات النقابية الأربع الأكثر تمثيلية مسيرة احتجاجية بالدار البيضاء الأحد الماضي، وأعلنت عن عزمها خوض مجموعة من الأشكال النضالية، بما فيها إقرار إضراب وطني، 
وذلك بهدف دفع الحكومة للاستجابة للمطالب الملحة للطبقة العاملة. واعتبرت التمثيليات النقابية أن الحكومة تجاهلت ممثلي الموظفين في تحديد وصفة علاج الصندوق المغربي للتقاعد.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي http://www.assabah.press.ma/

تطالب النقابات المحتجة الحكومة بسن مقاربة تشاركية في إصلاح منظومة التقاعد. لكن يبدو أن الحكومة فصلت في هذا الملف وستشرع في تنفيذ الإجراءات الاستعجالية المتعلقة بالإصلاحات المقياسية، من قبيل نسبة الانخراط وطريقة احتساب المعاش والتمديد التدريجي لسن التقاعد. وترفض النقابات أن يتم الإصلاح على حساب الموظف وتحمل الدولة المسؤولية الكاملة لما آلت إليه الأوضاع بالصندوق المغربي للتقاعد. ورغم ما أثير حول هذا الموضوع، فإن العديد من المواطنين يتساءل حول الأسباب الحقيقية التي دفعت المؤسسة إلى حافة الإفلاس.

الدولة لم تؤد الانخراطات 
يجمع الكل، حاليا، على أن وضعية الصندوق المغربي للتقاعد أصبحت مقلقة وتستدعي تدخلا عاجلا لإنقاذه من الإفلاس، لكن التقارير التي أنجزت من أجل تشخيص الأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية تقتصر على الجوانب ذات البعد التقني وتغفل مسؤولية الدولة في ما آلت إليه الأوضاع. وتفيد بعض الدراسات أن الدولة ظلت لا تؤدي واجبات الانخراط في الصندوق المغربي للتقاعد لعقود. 
وأفاد عبد القادر برادة، الأستاذ والباحث في الاقتصاد المالي والمالية العمومية في العديد من دراساته وتشخيصه للمالية العمومية بناء على الوثائق التي حصل عليها، أن الدولة كانت تقتصر، خلال سنوات، على تغطية العجز الجاري للصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس)، في حين كان يتعين عليها أداء مساهمات تعادل ما يساهم به الموظفون، إذ أن القانون ينص على أن الدولة، باعتبارها مشغلا، والموظف يساهمان في نظام الصندوق المغربي للتقاعد مناصفة. وكانت الاعتمادات التي تحولها الدولة لفائدة الصندوق لا تتجاوز حاجيات المؤسسة المالية لضمان توازنها المالي على المدى القصير.

التقرير الأسود
استمرت هذه الوضعية لسنوات إلى غاية 1994، حينما أصدرت الكتابة العامة لمنظمة العمل الدولية تقريرها الأسود حول منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب. ولم تشرع الحكومة في أداء واجبات انخراطها باعتبارها مشغلا إلا في قانون المالية 1996. وعرفت تحويلات الدولة لفائدة المؤسسة ارتفاعا متواصلا، إذ لم تكن تتجاوز، خلال 1995، 750 مليون درهم، فانتقلت، في قانون المالية 1996/1997، إلى مليار و 967 مليون درهم، لتصل إلى 3 ملايير و652 مليون درهم، خلال 2002. وأكد برادة أنه في ظرف ست سنوات تضاعفت واجبات انخراط الدولة المحولة لفائدة الصندوق المغربي للتقاعد بست مرات. كما رفعت تحويلاتها لفائدة الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، من 260 مليون درهم، خلال 1994، إلى 600 مليون درهم، خلال 1998/1999. 
وأكد برادة أنه رغم القرار الذي أصبح ساري المفعول ابتداء من 1997، بأداء الدولة واجباتها للصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، فإن ذلك لم يحل إشكالية متأخرات مستحقات الصندوق، التي تراكمت ما بين 1957 و 1996. وأكد الباحث في المالية العمومية أن الدولة ظلت إلى غاية 2004 تتجاهل هذه المتأخرات في الميزانية العامة. وأشار إلى أن مساهمة الدولة في الصندوق المغربي للتقاعد سجلت، خلال الفترة الممتدة بين 1989 و 1995، فقط، عجزا يناهز 8.4 ملايير درهم. 
واعتبر برادة أن تأخر الدولة عن تصفية متأخرات مساهماتها في الصندوقين (الصندوق المغربي للتقاعد و الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي)، ساهمت في تأزيم الوضع بالمؤسستين، الذي زاد استفحالا مع برنامج المغادرة الطوعية، ما دفع الحكومة، خلال 2005، إلى ضخ 11.4 مليار درهم لتقليص حجم متأخرات مساهمات الدولة في أنظمة التقاعد.

تهويل مبالغ فيه
اعتبر حسن المرضي ممثل المنخرطين في الإدارات العمومية  وعضو المجلس الإداري للصندوق المغربي للتقاعد، أن ملف التقاعد يعرف تهويلا مبالغا فيه، الغرض منه مس جيوب المنخرطين و المتقاعدين و التغاضي عن المعنيين الحقيقيين، علما أن نظام المعاشات المدنية يعرف فائضا مهما حتى حدود اليوم، و أكد أن إدارة الصندوق تتهرب عن عرض وضعيته الحقيقية، متهما إياها  بضرب النظام الداخلي والقانون رقم 43 95-، المنظم للصندوق عرض الحائطـ وذلك بعدم تقديم الوضعية المحينة للمؤسسة في دورة المجلس الإداري لنونبر 2013، التي لم تنعقد إلا في  حدود 7 يناير 2014.
وأوضح المرضي أن هذا التهويل أرعب العديد من المنخرطين و المتقاعدين بالصندوق المغربي للتقاعد و ذويهم، وأثار جوا من البلبلة لديهم، بعد ترويج عدد من المنابر للمعطيات المغلوطة التي تروجها الإدارة، ما أدى إلى دفع عدد كبير من المنخرطين النشيطين للهروب من الإدارة بطلب التقاعد النسبي الذي يعتمد معاشات ضئيلة لا تكفي لتغطية مصاريفهم المعاشية، خاصة مع الزيادة المهولة في الأسعار. 
وأكد المرضي أن احتياطات الصندوق عرفت تزايدا مهما في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت تتجاوز، حسب قوله، 85 ملياردرهم، ونفى نفيا قاطعا أن يتم اللجوء إلى استخدام الاحتياطات في السنة المقبلة، كما يتم الترويج لذلك، بالنظر إلى أن نظام المعاشات المدنية ما يزال يدر فائضا ماليا مهما كل سنة. 
في السياق ذاته، اعتبر المرضي أن ما يتم التصريح به بأن احتياطات الصندوق ستنفد في أفق 2021، لا أساس له من الصحة وأن هذه الأسطوانة يتم الترويج لها بشكل مبالغ فيه منذ 2010، إلا أن الواقع يكذب هذا المعطى، إذ أن النظام مبني على التوزيع، ما يعني أن معاشات المتقاعدين تمول عبر مساهمات المنخرطين، لذا يجب الحفاظ على التوازنات المالية وهذه مسؤولية الحكومة.

رؤية هيآت الموظفين

أوضح حسن المرضي،  أن صناديق التقاعد تعرف، سواء في المغرب أو في الدول الأخرى، مجموعة من الاختلالات التي تختلف من صندوق لآخر حسب حدة العجز المرتقب، على غرار الصندوق المغربي للتقاعد، الذي يتطلب، حسب المرضي، إصلاحا بنيويا قبل أن يعرف إصلاحا مقياسيا. وارجع ممثل المنخرطين الوضع الذي يعانيه الصندوق إلى مجموعة من الأسباب، من أبرزها، اعتماد نظام الخوصصة في مجموعة من القطاعات خلال سنوات التسعينات. بالموازاة مع ذلك تم إقرار المغادرة الطوعية، خلال2005، التي استفاد منها 40 ألف منخرط، ما أثر سلبا على مداخيل الصندوق المغربي للتقاعد، كما أن تماطل الحكومات السابقة في الإصلاح في الوقت المناسب، أزم وضع الصندوق أكثر، خاصة مع تدهور البنية الديمغرافية لأنظمة التقاعد، إذ أن 12 منخرطا ناشطا كانوا يمولون معاش متقاعد في بداية الثمانينات، في حين أصبح الآن منخرطان نشيطان يمولان معاش متقاعد.

الحكومة تضخ 15 مليار  درهم

خصصت الحكومة ما يناهز 15 مليار درهم لفائدة الصندوق المغربي للتقاعد، ويتضمن المبلغ المساهمة السنوية للدولة باعتبارها مشغلا، وتغطية عجز المعاشات العسكرية، وتصفية جزء من متأخرات الدولة من مستحقات الصندوق، التي تناهز حوالي 400 مليون درهم. وما تزال الدولة مدينة للصندوق بملايير الدراهم من المتأخرات. وتأتي مبادرة تصفية هذه المتأخرات في إطار خطة الحكومة لإصلاح المؤسسة التي وصلت إلى حافة الإفلاس بسبب عدم أداء الدولة واجباتها تجاه الصندوق. وأشارت الحكومة في المذكرة التقديمية لمشروع قانون المالية للسنة المقبلة إلى أنها ستباشر الإصلاحات ذات الطابع الاستعجالي، التي تهم الجوانب المقياسية. وأكدت المذكرة أن المرحلة الأولى ستخصص لاعتماد الإصلاح المقياسي لنظام المعاشات المدنية المدبر من قبل الصندوق المغربي للتقاعد الذي يكتسي صبغة استعجالية، إذ سجل، خلال 2014، عجزا تقنيا بقيمة مليار درهم. وستعتمد الحكومة إجراءات الإصلاح المقياسي، خلال السنة المقبلة، وتتلخص هذه التدابير في رفع نسبة الاشتراك تدريجيا، والزيادة في سن الإحالة على التقاعد، وإدخال تعديلات على طريقة احتساب قيمة المعاش، من خلال تقليص المعامل من 2.5 إلى 2 في المائة.

وصفة جطو

أوصى المجلس الأعلى للحسابات، في ما يتعلق بالمرحلة الأولى من إصلاح منظومة التقاعد، التي تهم الإصلاح المقياسي، بضرورة رفع السن القانوني للإحالة على التقاعد، بالنسبة إلى نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد، إلى 65 سنة على مدى 10 سنوات، مع منح المنخرطين إمكانية تمديد فترة نشاطهم حتى يتسنى لهم الاستفادة من تقاعد كامل في المعدل الأقصى، و يجب، في حدود سن يتم تحديده، أن يخضع الاستمرار في العمل لتأطير ملائم. 
وطالب بضرورة تغيير وعاء تصفية المعاش بصفة تدريجية باعتماد أجور فترة تتراوح بين 10 و 15 سنة من العمل عوض آخر أجرة. كما يتضمن الإصلاح المقياسي تقليص نسبة القسط السنوي إلى 2 في المائة بدل 2.5 في المائة المعتمدة حاليا، ورفع نسبة المساهمة  إلى 30 في المائة موزعة بين 24 في المائة بالنسبة إلى النظام الأساسي اعتمادا على مبدأ التوزيع بدل 20 في المائة حاليا، و6 في المائة تتعلق بنظام إضافي مبني على الرسملة يتحملها بشكل متساو المشغل والأجير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون