الخميس، 23 مايو، 2013

المنهاج التربوي المغربي وسؤال الثقافة العلمية





نستخلص من خلال هذه التعليمة أنّ المهمة بالغة التعقيد. فمجرّدُ إطلالة سريعة في مقرر مادة الرياضيات للسنة الثانية ابتدائي تطلعنا على أنّ تلميذ هذا المستوى لن يكون قادرا، في نهاية السنة، على أكثرَ من «الاستئناس» ببعض الأشكال الهندسية، مما يدعونا لإلى التساؤل: كيف يمكن لهذا التلميذ، وهو يقرأ هذا النصّ، أن
يستوعب مفاهيمَ من قبيل ارتفاع وقاعدة المثلث؟ كيف يمكن لهذا المفهوم الانبناءُ في ظلّ غياب الشرط التاريخي اللازم؟..
إن تنزيله لأول مرة بهذه الطريقة، عبر نصّ قرائي تكميلي خارجَ مكون الرياضيات لهو مبعثٌ على مساءلة كِتابنا المدرسي بشكل خاص، ومن خلاله منهاجنا التربوي بشكل عامّ، ومدى احتكامه إلى المعايير الإبستيمولوجية في تقديم المفاهيم.. وبالتالي، إلى أيّ حد يبدو هذا المنهاج قادرا على زرع روح التفكير العلميّ في ناشئتنا، في مرحلة جد حساسة من تاريخ بنيتها الذهنية؟ 
ويَعظم التساؤل ويستفحل الإشكال عندما نواصل قراءة هذا النصّ التكميلي لنكتشف أنّ المطلوب من المتعلم هو أن يحول ما قرأه إلى تطبيقات هندسية؟! إذ كيف يمكن لمتعلم لم يستوعب نصّاً أن يُحوله من مستوى القراءة إلى مستوى الفعل والتشكيل الهندسي؟! كيف لمتعلم وجد نفسه فجأة، ولأول مرة، أمام مفاهيم هندسية من قبيل «الارتفاع»، «القاعدة»، «الطول»، العرض»... أقحِمت قسرا خارج تاريخه الذهني، أن يُحولها إلى أشكال هندسية دقيقة القياس على ورقة وهو لا زال يحاول التموقع في فضاء قسمه؟!
إن الأمر هنا يتعلق بأعلى درجات تعميم المفاهيم، فالمعروف هو أنّ تطبيق المفهوم درجة متقدّمة من تعميمه، لا بد أن تسبقه مراحل الملاحظة والاكتشاف، ثم التجريب والتحقق، عبر مناولات ملموسة، وهو ما لم يتوفر لتلميذ السنة الثانية في مجال مفاهيم الهندسة.
ومن هذا المنطلق يبدو لنا غياب ذلك المنطق الصّوري الذي تحدّثنا عنه كأساس في بناء المعارف والمفاهيم، وهو الغياب الذي سجلناه كذلك بخصوص المنطق التاريخي، حين أكدنا كونَ مفهوم الارتفاع والقاعدة وغيرهما هي مفاهيم أقحمت بجرأة غريبة في هذا النصّ القرائيِّ دون سابق إخبار.. فتلميذ السنة الثانية لم يُدرك بَعدُ أبسط خصائص مفهوم المثلث كشكل هندسيّ: يتكون من ثلاثة أضلاع، فكيف له أن يدرك خصائصَ أكثرَ تجريدا مِن قبيل الارتفاع والقاعدة؟! والنتيجة هي أنّ هذه الخصائص ستظلّ بالنسبة إليه بدون معنى، وسوف تؤثث ذاكرته دون أن تجد لها مقاما في بنيته الذهنية.. ومن ثم، يستحيل تحويلها إلى رسوم هندسية باعتبار هذه الرّسوم أعلى درجات تعميم مفهوم المثلث، بكل خصائصه: الأضلاع، الارتفاع، القاعدة..
استنتاجات وحلول مُقترَحة
نستنتج أنّ إدراج هذا النص داخل مكون القراءة للسنة الثانية لم يخلُ من مُجازَفة، إذ لم يقم على الأسس العلمية والإبستيمولوجية الكافية. كما يبدو أنّ الأستاذ الذي سيُقدّم هذا النص دون تصرّف ديداكتيكيّ، بشكل يُلائم مستوى متعلميه -كما هو الشأن بالنسبة إلى الأستاذة التي عاينـّاها خلال التدريب الميداني الأخير- غير واع بالأسس الإبستيمولوجية للمعرفة، مثلما أوردناها في التقديم النظري لهذه الدراسة، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل وبإلحاح: أيّ دور يمكن أن يقدّمه أستاذ التعليم الابتدائي في بناء المفاهيم لدى الطفل المغربي؟ وبالتالي في زرع بذور التفكير العلميّ لدى هذا الطفل؟ الأمر الذي يعطينا الشرعية في تساؤل آخر بخصوص مستوى التكوين الأكاديمي والبيداغوجي لهذا الأستاذ؟..
إنّ الرهان على ترسيخ الثقافة العلمية في فضاءاتنا المدرسية، في أفق توجيه ثلثـَي تلامذتنا نحو الشّعَب العلمية، رهانٌ لا يمكن كسبه إلا من خلال احترام المداخل الإبستيمولوجية لتشكل المعرفة العلمية، التاريخي منها والصّوري، وهو ما يقتضي إعادة النظر في المفاهيم المُقدَّمة في مدرستنا الابتدائية وطريقة تقديمها، كما يقتضي بالضرورة إعادة النظر في مواصفات فئة التدريس في هذه المدرسة، وتمكينها من تكوين أساسيّ متين يجمع بين ما هو أكاديميّ وما هو بيداغوجي.
وفي هذا الإطار، نثمّن طموح المخطط الاستعجاليّ إلى إلحاق مراكز التكوين بالتعليم الجامعي، حيث ضرورة مرور الطلبة الأساتذة بمسالك علوم التربي..
تأهيل فضاءاتنا المدرسية بشكل يجعلها تنمّي في ناشئتنا آليات التفكير العلمي، من ملاحظة واكتشاف وتجريب وتحقق.. وقبل هذا وذاك، لا بد من إعادة التفكير في الحياة المدرسية من أجل خلق مناخ للنقد وإعمال العقل، بانخراط الجميع: فاعلين تربويين ومجتمعا مدنيا.. في أفق صناعة اللحظة التاريخية المُلائِمة لتجاوز الاختلال والانفصام الواضح في مناهجنا التربوية بين الأنساق النظرية، الطامحة إلى ركوب ناصية العلم، وبين القوالب المادية الحسّية، الكفيلة بتحويل زخَم النظرية إلى حقيقة سارية المفعول.. يحيلنا الأمر، إذن، على مطلب سوسيولوجيّ كبير، مفاده أنه لتوجيه تلامذتنا نحو الشّعَب العلمية الضامنة لكسب رهان التنمية، لا بدّ من تغيير في النسق الثقافي لمجتمعنا من نسق يُكرّس قيم التقليد والحفظ والتعليم، القائم على تأثيث الذاكرة، إلى نسق ثقافيّ أساسه النقد والتفكير العلمي الموجّه بعملية التوليد المستمرّ للأسئلة، حيث لا تنمية بدون فكر ولا نهضة بدون عقل ناهض، وفق تعبير المفكر والإبستيمولوجي المغربي الكبير محمد عابد الجابري.

خالد زروال
مفتش تربوي


المساء التربوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون