الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

الهجرة الخالدة.. معان تتجدّد

تتجدد ذكرى الهجرة النبوية مع مطلع هذا العام الهجري الجديد (1434)، ومعها تتجدد كثير من المعاني السامية المرتبطة به
ففيها يتجدد معنى الهجرة بما يحمل من دلالات الصبر والمصابرة والتحمل والتؤدة والجهاد والبحث الدائم عن موطن يحتضن دعوة الله في أرض الله وفي قلوب عباد الله.
نعم، كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم البحث عن تربة صالحة لبذر بذور الرسالة الخالدة، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يبحث في تلكم التربة عن القلوب الموءودة تحتها يستحييها بماء الوحي ويهيئها لدورها العظيم في حمل أمانة الرسالة العظيمة.
لقد كشفت الهجرة النبوية عن نموذج فريد من البشر، سابق تربى على عين النبوة في مكة فأثبت بصدق هجرته عظمة النبي المربي صلى الله عليه وسلم ولاحق عظيم الاستعداد للتحلي بشعب الإيمان والترقي إلى ذرى الإحسان أثبت صدق نصرته للرسالة وتفانيه في حب صاحبها صلى الله عليه وسلم، فنال النموذجان الخالدان، بما وقر في قلوبهم وبما صدّقه الميدان، رضى الله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه (التوبة، الآية: 100).
ويحيى الإسلام، ويتجدد الإيمان، ويعلو شأن الإحسان، بحياة وتجدد وعلوّ هذه النماذج العظيمة، علامةً على استمرار وظائف النبوة يرثها ويجددها ورثة النبوة على مدار التاريخ، ومربو الإيمان في القلوب، ومجددو الدين في الأمة.
ويتجدد الإيمان بالهجرة القلبية الدائمة هروبا إلى طاعة الله من معصيته، وإلى ذكر الله حذرا من الغفلة عنه، وبالهجرة الحركية اصطفافا مع أهل الحق في الموقف الإيماني الرجولي. روى الإمام مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" . وفى سنن النسائي وأحمد بإسناد قوي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر ما كره ربك عز وجل" . وروى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَأَنْ يُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" . وروى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنِ الْهِجْرَةِ، إِلَيْكَ أَيْنَمَا كُنْتَ؟ أَوْ لِقَوْمٍ خَاصَّةً؟ أَمْ إِلَى أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ؟ أَمْ إِذَا مُتَّ انْقَطَعَتْ؟ قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ"؟ قَالَ: هَا هُوَ ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ وَإِنْ مُتَّ بِالْحَضَرِ" .
والهجرة، في بعض معانيها، صفقة مع الله تعالى، وبيع لعاجل فانٍ ابتغاء وجه الله ذي الجلال والإكرام. صفقة لا حظ للدنيا فيها، وبيع لا ثمن له دون مرضاة الله عز وجل. روى ابن عساكر في تاريخ دمشق عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ صُهَيْبًا أَقْبَلَ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَبِعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُشْرِكُونَ، فَنَزَلَ فَانْتَبَلَ كِنَانَتَهُ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنِّي أَرْمَاكُمْ رَجُلا بِسَهْمٍ، وَأيْمُ اللَّهِ، لا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَكُمْ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ شَأْنُكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَى مَالِكَ بِمَكَّةَ وَنُخَلِّي عَنْكَ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ فَدَلَّهُمْ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ الْقُرْآنَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (البقرة آية 207) حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُهَيْبًا قَالَ: "رَبحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى" ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون