الأحد، 12 أغسطس، 2012

مسلسل عمر يدخل المسلمين في تاريخ جديد


مسلسل عمر يدخل المسلمين في تاريخ جديد

لأسباب كثيرة، لم يحظ مسلسل تلفزيوني بالاهتمام الذي حظي به مسلسل عمر. رأيت بعضا من حلقاته ومررت ببعض ما كتب عنه في الصحف ومواقع الانترنت. وأجدني متفقا مع غالبية الآراء التي انتقدت المستوى الفني والاضاءة، ومحاولة حشر كل ما جرى في 35 عاما من التاريخ في 30 ساعة تلفزيونية.
وتلخص الآراء الناقدة، العبارة التي تكررت آلاف المرات، وخلاصتها أن المسلسل كان يلهث خلف فيلم “الرسالة”، وأنه لم يرق في أي من مشاهدة أو أداء ممثليه لما قدمه الراحل مصطفى العقاد في ذلك الفيلم.
ومع ذلك فالمسلسل له أهمية تاريخية خطيرة، لا علاقة لها بالنص والإخراج والنواحي الفنية. وسنأتي الى ذلك بعد أن نذكر بعض البديهيات والوصف العلمي البارد والمحايد.
فالأحداث التي يرويها المسلسل لا يمكن أن تكون قريبة جدا من واقع ما حدث في تلك الفترة… على الأقل من حيث تفاصيل الأحداث والحوارات، ولا نقصد تفاصيل الصفعات والضربات والسيوف والتعذيب والمشاعر والحركات والنظرات.
هناك روايات شتى من فرق وطوائف إسلامية، حاول المسلسل الاقتراب من بعضها، لكنه لم ولن يتمكن من ردم تلك الفجوة، لأنها كبيرة جدا، فبقي وفيا لواحدة منها.
يكفي أن المسلسل راجعته 6 شخصيات إسلامية من مدرسة وطائفة واحدة، وهم غير محايدين بكل تأكيد، وكان الأفضل أن يراجعه أفضل أساتذة التاريخ.
يجب أن نعلم أن كل تلك الأحداث تم تناقلها شفاهيا على مدى سنوات طويلة، قبل أن يتم تدوينها. تخيلوا الفوارق الكبيرة التي نجدها كل يوم في روايات عدة أشخاص عما حدث قبل يوم واحد؟ فكيف بتاريخ كُتب بعد عشرات وأحيانا مئات السنين؟ وكتبه المنتصرون وأصحاب الحق المطلق… كتبوه بالحق المطلق والشر المطلق.
كل ذلك وصف لا رأي فيه على الإطلاق، بل إني لن أقول رأيا في كل ما سأكتبه هنا… ولا يعنيني هنا الحديث عن الدقة.
أعود للقول إن المسلسل يعد حدثا تاريخيا كبيرا، والعالم الإسلامي قبل هذا المسلسل، غيره بعده. فقد تم فيه لأول مرة تجسيد جميع الشخصيات الإسلامية المهمة، باستثناء شخصية الرسول محمد. والمسلسل متاح لمشاهدة نحو ثلثي الشعوب الإسلامية. وفي ذلك نقلة هائلة الى كيفية نظر تلك الشعوب الى تلك الشخصيات التاريخية.
وهو سيؤثر فيمن يتفق معه ومن يختلف معه، فيمن يعجب به ومن ينتقده ويستهجنه… بل سيؤثر حتى فيمن لن يشاهد المسلسل، لأنه سيؤثر في الناس المحيطين به. نحن في عصر الصورة والتلفزيون سيدها، ولا أحد يستطيع أن يفصل صورة الممثل انتوني كوين عن عمر المختار، أو صورة الممثل عبدالله غيث عن الحمزة عم الرسول، على سبيل المثال
في البدء كان “الرسالة”

مجرد تجسيد تلك الشخصيات سيكون له تأثير كبير، فهو يؤدي الى أنسنتها، وإنزالها من علياء المخيلة والصفات الخارقة والمطلقة، ليظهرها بأخطائها وتعبها ومحدوديتها وخصوماتها وغضبها …وجوعها وعطشها.
أي أن المسلسل سيدخل مئات ملايين المسلمين في مختبر لمعالجة ما جمحت إليه مخيلاتهم عن تلك الشخصيات التي يفترض، بتحليل علمي، أن لا تختلف كثيرا عن الشخصيات المحيطة بنا اليوم.
تجسيد الشخصيات والأحداث، سيفجر التصورات المثالية، حتى لدى أولئك الذين سيجدون في المسلسل تجسيدا لتصوراتهم السابقة. فقد شاهدنا قسوة عمر في تعذيب المسلمين وسيف خالد بن الوليد وهو يقتل عددا كبيرا من المسلمين. ورأينا المواقف النفعية والتوفيقية والصراعات السياسية بين أبرز الشخصيات الإسلامية.
ووجدنا أنفسنا حكما بين مواقف متناقضة وخلافات جذرية بين تلك الشخصيات وحماقات غيرت مسار التاريخ.
لو حكمنا قيم الإنسانية المعاصرة لخجلنا من كثير من تلك المواقف.
وسأذكر هنا ما دار بين أبي بكر وعمر بن الخطاب، حول قتال قبائل غطفان وفزارة، التي قالت إنها مؤمنة بالإسلام ولكنها لا تريد بذل الزكاة لقبائل أخرى. ورأينا خلاف المسلمين الحاد بشأن ذلك، ثم رأينا السيوف تقطع رقابهم.
وسأذكر أيضا الحوار الذي دار بين خالد بن الوليد ومالك بن نويرة، الذي أبدى موقفا مماثلا، بإعلانه الاسلام ورفضه لدفع الزكاة لغير قومه. ثم الخلاف الحاد بين أبي بكر وعمر بشأن “إعدام” خالد لمالك بن نويرة، وزواجه من زوجته.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل الروايات أو أدلي برأي، بل أذكر ما دار في المسلسل دون تعليق… فمجرد تجسيد تلك الشخصيات وفي تلك المواقف، التي يستحيل علينا ممارستها أو قبولها اليوم… يدخل المشاهدين في تجربة جديدة.
قد يقول البعض أن معظم المسلمين يعرفون ذلك التاريخ… نعم ولكن تجسيد تلك الشخصيات والأحداث سيكون له بعد نفسي كبير.
وأتفق مع من سيقول إن علينا أن ننظر لتلك المرحلة في إطارها التأريخي… وأن لا نستعير كل تفاصيلها لفرضها على زمننا الحالي.
الأمر ببساطة باردة؛ بلدة ما تشن اليوم هجوما على بلدة أخرى لإجبارها على اعتناق دينها ودفع ضريبة ما… فتوافق البلدة الثانية وتعتنق دين الأولى، لكنها ترفض دفع الضريبة لغير فقرائها… فيتم ذبحهم في مشاهد بطولية.
الخلاصة أن تجسيد تلك الشخصيات المقدسة، بأخطائها وتعبها ومحدوديتها وخصوماتها وغضبها وجوعها وعطشها سيدخلنا المجتمعات الإسلامية في مرحلة جديدة. وقد يطلق مراجعة علمية معاصرة لذلك التاريخ.
لو تجرأ أحد على تجسيد تلك الشخصيات قبل عشرين عاما، لأتهم بالكفر، وصدرت الفتاوى التي تهدر دمه وتطارده… لذلك فان قبول المسلسل وعرضه في عشرات القنوات، له دلالات كثيرة. وسيفتح الباب أمام عشرات الأفلام والمسلسلات التي ستعيد تجسيد تلك الشخصيات.
سلام سرحان
salamss@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون